الغزالي

214

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

قال : تأكلهم النار كلّ يوم سبعين ألف مرّة ، كلما أكلتهم قيل لهم : عودوا ، فيعودون كما كانوا . ثمّ تفكّر الآن في بكاء أهل النار وشهيقهم ودعائهم بالويل والثبور ، فإنّ ذلك يسلّط عليهم في أوّل إلقائهم في النار . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يؤتى بجهنّم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كلّ زمام سبعون ألف ملك » . وقال أنس : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرسل على أهل النار البكاء ، فيبكون حتى تنقطع الدموع ، ثم يبكون الدم ، حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود ، لو أرسلت فيها السّفن لجرت » . وما دام يؤذن لهم في البكاء والشهيق والزفير والدعوة بالويل والثبور ، فلهم فيه مستروح ، ولكنهم يمنعون أيضا من ذلك . قال محمد بن كعب : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم اللّه عزّ وجلّ في أربع ، فإذا كانت الخامسة لم يتكلّموا بعدها أبدا فيقولون : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ « 1 » فيقول اللّه تعالى مجيبا لهم : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ « 2 » . ثم يقولون : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً « 3 » فيجيبهم اللّه تعالى : أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ « 4 » فيقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ . فيجيبهم اللّه تعالى : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ « 5 » . ثم يقولون : رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ . فيجيبهم اللّه تعالى : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ « 6 » . فلا يتكلّمون بعدها أبدا ، وذلك غاية شدّة العذاب .

--> ( 1 ) سورة غافر ، الآية : 11 . ( 2 ) سورة غافر ، الآية : 12 . ( 3 ) سورة السجدة ، الآية : 12 . ( 4 ) سورة إبراهيم ، الآية : 44 . ( 5 ) سورة فاطر ، الآية : 37 . ( 6 ) سورة المؤمنون ، الآيات : 106 - 108 .